الشيخ محمد رشيد رضا
431
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذلك لمقاومة المسلمين . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ هذا تعليل للوعيد وبيان لسببه ، وهو ان من يوالي أعداء المؤمنين الذين نصبوا لهم الحرب وينصرهم أو يستنصر بهم فهو ظالم بوضعه الولاية في غير موضعها ، ولن يهتدي مثله إلى الحق والنجاة ابدا . * * * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ اتفق رواة التفسير المأثور على نزول هذه الآية في المنافقين ، فهم الذين في قلوبهم مرض ، اي ايمانهم معتل غير صحيح ، إذ لم يصلوا فيه إلى مستقر اليقين ، وكان عبد اللّه بن ابيّ زعيم المنافقين ذا ضلع مع يهود بني قينقاع ، وكان غيره من المنافقين يمتون إلى اليهود بالولاء والعهود ، ويسارعون في هذه السبيل التي سلكوها ، كلما سنحت لهم فرصة لتوثيق ولائهم وتأكيده ابتدروها ، فهم يسارعون في اعمال موالاتهم مسارعة الداخل في الشيء الثابت عليه ، الراغب فيما يزيده تمكنا وثباتا ، ولهذا قال « يُسارِعُونَ فِيهِمْ » ولم يقل : يسارعون إليهم . فما عذر هؤلاء الذين يرددونه في أنفسهم ، ويقولونه عند الحاجة بألسنتهم ؟ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ اي نخشى ان تقع بنا مصيبة كبيرة مما يدور به الزمان ، أو من المصائب والدواهي التي تحيط بالمرء إحاطة الدائرة بما فيها ، فنحتاج إلى نصرتهم لنا ، فنحن نتخذ لنا يدا عندهم في السراء ، ننتفع بها إذا مست الضراء . والمراد انهم يخشون ان تدول الدولة لليهود أو المشركين على المؤمنين - وكان اليهود عونا للمشركين على المؤمنين كما ظهر في وقعة بدر والأحزاب - فيحل بهم ما يحل بالمؤمنين من النقمة . ذلك بأنهم غير موقنين بوعد اللّه بنصر رسوله ، واظهار دينه على الدين كله . لأنهم في شك من امر نبوته ، لم يوقنوا بصدقها ولا بكذبها . فهم يريدون ان ينتفعوا منها باظهارهم الايمان بها ، وان يتخذوا لهم يدا عليها لأعدائها ، ليكونوا معهم ، إذا دالت الدولة لهم ، وهكذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان ، وهو الذي جعل كثيرا من وزراء بعض الدول منذ قرن أو قرنين ما بين روسي وانكليزي والماني في سياسته ، كل منهم يتخذ له يدا عند دولة قوية ، يلجأ إليها إذا اصابته دائرة ، حتى تغلغل نفوذ هذه الدول في احشاء هذه الدولة ، فأضعفن استقلالها في بلادها . ويخشى ما هو أكبر من ذلك من خطر نفوذهن فيها ، وحتى صار